بوابة القانون الجزائي
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
الأستاذ: بوصيدة فيصل يرحب بك في منتدى بوابة القانون الجزائي و يتمنى لك قضاء أجمل الأوقات


أرحب بجميع المختصين في مجال القانون الجزائي و العلوم الجنائية من كافة الدول العربية للمشاركة في هذا المنتدى للنهوض بقوانينا الجزائية و ترقيتها
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الإسلام والغرب.. صراع المشاريع الحلقة السادسة:

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 97
تاريخ التسجيل : 05/09/2009
العمر : 38
الموقع : الجزائر

مُساهمةموضوع: الإسلام والغرب.. صراع المشاريع الحلقة السادسة:   الخميس أكتوبر 15, 2009 5:32 pm

د. علي محمد الصلابي
الفرنجة في بيت المقدس.. إستراتجيات البقاء
توقف بنا الحديث في الحلقة السابقة عند نجاح الحملة الصليبية الأولى في إقامة أربع إمارات لاتينية في الشرق، أهمها وأخطرها كانت في قلب فلسطين، وهي بيت المقدس، إضافة إلى أربع بارونيات كبرى، وأثني عشر إقطاعاً تسلمها أصحابها من الملك الصليبي مقابل تقديم فروض الولاء والطاعة له، وفي هذا المقال يتطرق الحديث إلى الاستراتيجيات التي اتبعتها القوى الفرنجية المحتلة لترسيخ وجودها في الشرق.
أولاً: إستراتيجية الحملة الصليبية بعد الاحتلال:
يهمنا هنا أن نشير إلى أن القوى الفرنجية المحتلة والتي قُدر وخطط لها أن تعيش في بيئة غريبة عنها؛ كان لا بد لها من إتباع مجموعة من الإستراتيجيات القابلة للتطوير، تهدف في مجملها إلى الإبقاء على صيغة احتلالها لأمد طويل ومن هذه الإستراتيجيات:
- المحافظة بقدر الإمكان وبمختلف الوسائل على أهم سبب من أسباب نجاحها ألا وهو العمل على إبقاء المحيط الإسلامي مشتتاً بقدر الإمكان، لأن ذلك يلغى إمكانية مواجهتها بقوة واحدة مقتدرة، وفي سبيل ذلك عملت بدءاً وباستمرار على احتلال مناطق ذات أهمية استراتيجية تخدم غرض عزل مناطق القوة الإسلامية عن إمكانية التلاقي والتوحد، وكان سبيلها في ذلك احتلال الرُها لتمنع أو تعيق الاتصال بين العراق وبلاد الشام، كما هو الحال لاحقاً بالسيطرة على مناطق جنوبي بلاد الشام مثل الكرك والشوبك بهدف إعاقة أو تعطيل الاتصال ما بين مصر وبلاد الشام، هذا على صعيد الجغرافيا الطبيعية.
أما على صعيد الجغرافيا البشرية، فقد حرصت القوى الصليبية على إدامة الصراع العرقي والمذهبي بين أطراف المحيط الإسلامي، وقد اتبعت في ذلك وسائل ترغيب وترهيب، وسياسة تحالف مع قوى ضد أخرى، وقد ساعدها في ذلك العداء المستحكم بين الشيعة والسنة، كما ساعدها وجود أقلية مسيحية أمكن لها استغلال بعض قواها للتحالف معها، والتآمر على محيطها الإسلامي.
- ركزت القوى الصليبية في احتلالها على مناطق تؤمن لها الاتصال بمركز انطلاقها في الغرب الأوروبي، ولذلك ركزت على احتلال سواحل بلاد الشام، وابتعدت قدر الإمكان عن السيطرة على المناطق الداخلية خشية فقدانها لهذه الميزة، وحتى لا تكون محصورة بين قوى إسلامية على افتراض توحيد هذه القوى في أي سانحة.
- عملت القوى الصليبية على إيجاد تحالفات مع قوى يمكن أن تمدها بالمساعدة في مراحل مختلفة، إما لعداء هذه القوى للمحيط الإسلامي، أو رغبة في تحقيق امتيازات اقتصادية، وفي هذا الصدد يمكن ملاحظة تحالفها بدءاً مع بيزنطة ثم مع بعض المدن الإيطالية، وأخيراً إمكانية التحالف مع القوى المغولية [1]، التي كانت فيما بعد أخطر قوة تهدد كيانات المنطقة الإسلامية..
- حرصت القوى الصليبية منذ بداية تأسيس كياناتها في الشرق الإسلامي على معالجة المشكلة السكانية التي عانت النقص فيها مقابل الكثافة الإسلامية، وقد تعاملت القوى الصليبية مع هذه المشكلة على صُعد مختلفة وبوسائل متعددة كانت قابلة للتطوير بحسب مقتضيات الأحوال وتطوراتها، ومن ذلك أنها اتبعت سياسة تقتيل وتهجير المسلمين من مناطق احتلالها، ثم عدلت ذلك في فترات لاحقة ضمن إطار إبقاء العناصر السكانية إذا كان ذلك يخدم مصالحها، كما عملت في نفس السياق على استقطاب مهاجرين جدد إلى مناطق السيطرة الصليبية سواء من الغرب الأوروبي أو من مناطق أرمينيا، أو من نصارى المنطقة الإسلامية.
كما أنها لجأت إلى عسكرة المجتمع الصليبي ليكون المجتمع بكافة فئاته وطبقاته ؛ قادراً على أداء الخدمة العسكرية لعلاج مشكلة النقص السكاني، ولا أدل على ذلك من أن الجماعات الدينية في المجتمع الصليبي كانت في مراحل من التواجد الصليبي أكثر الفئات تطرفاً في المجال العسكري مثل جماعات الداوية والإسبتارية [2]..
- ركزت القوى الصليبية على بناء تحصينات عسكرية بخبراتها الذاتية أو تقليداً للخبرات التي وجدتها في المنطقة الإسلامية، وقد راعت في هذه التحصينات أن تكون أشبه بمحطات إنذار مبكر تكون قادرة على رصد التحركات الإسلامية، ولذا اختيرت مواقعها لتكون في مقابل التجمعات الإسلامية الهامة، أو أن تكون مطلة على مناطق تهدد المصالح الإسلامية، كتلك التي أقيمت على مقربة من الطرق التجارية..
- اعتمدت القوى الصليبية وبناء على تجارب حروبها مع الطرف الإسلامي ؛ أسلوب الحرب السريعة الخاطفة، هذه الحرب التي لا تحتاج إلى قوات كبيرة، وبنفس القدر يُخطط لها أن تختار أهدافاً منتقاة ضمن معايير زمنية محسوبة، كاعتماد أسلوب الإغارة على المناطق الزراعية في مواسم نضج المحاصيل، مما لا يكلفها قوة عسكرية كبيرة ولكنها بنفس الوقت تكون قادرة وفق هذا الأسلوب على إلحاق الأذى الكبير بالطرف الإسلامي..
- لجأت القوى الصليبية إلى سياسة عقد الهدن وتقديم بعض التنازلات لبعض الأطراف الإسلامية في سبيل التفرغ لقوى إسلامية أخرى، وكانت هذه الإستراتيجية ناجحة في فترة التفكك الإسلامي، بل وقادها ذلك إلى حد التدخل مع طرف ضد آخر ؛ إما بعرض صليبي ابتداء، أو باستدعاء وطلب إعانة من بعض الأطراف الإسلامية..!!
- عملت القوى الصليبية على إبقاء روح الحروب الصليبية قوية في الغرب الأوروبي؛ لضمان استمرار الحملات الصليبية واستمرار تقديم المساعدات للكيانات الصليبية في الشرق، فقد حرصت على التواصل الدائم مع أوروبا مما كفل لها الإمدادات البشرية والمادية، وقد شعر ملوك أوروبا بالمسئولية الكبيرة تجاه الإمارات الصليبية في المشرق، والتزموا بدعمها والدفاع عنها..
- ركزت القوى الصليبية مع مرور الزمن على تبني استراتيجية مفادها، أن ضمان وجودها في بلاد الشام يقتضي السيطرة على مصر أو إخراجها من ساحة الصراع بأي شكل من الأشكال، وعلى ذلك نجد أن الحملات الصليبية اللاحقة كان جزءاً منها موجهاً بدرجة رئيسية إلى مصر، والمتتبع لتاريخ الحركة الصليبية يجد أنهم قد حققوا بعض النجاحات في هذا الصدد، مستغلين حالات عداء كانت تثور بين حكام مصر وبعض مناطق بلاد الشام..
- لجأت بعض الأطراف الصليبية إلى القيام بحملات عسكرية تهدف إلى ضرب معنويات المسلمين وتهديد مقدساتهم، كما حصل حين غامرت هذه القوى بقيادة أمير الكرك والشوبك، بالتعدي على الأماكن المقدسة في الحجاز، كما لجأت إلى ضرب بعض المقومات الاقتصادية والدينية مثل تهديد طرق التجارة وقوافل الحج..
- لم تغفل الإمارات الصليبية والقيادة البابوية الداعمة، عن تطوير الخطط التي جاءت نتيجة لفشل الإستراتيجيات العسكرية، حيث اتجه التفكير إلى محاولات السيطرة وبسط النفوذ بطرق غير عسكرية؛ وذلك عن طريق التنصير والدعوة لزيادة عمليات التبشير بالدين المسيحي بين المسلمين، ونحن هنا لا نناقش إمكانية نجاح وفشل هذه الإستراتيجية، بقدر ما يهمنا الإشارة إلى بروز هذا البديل في مساعي الفرنجة لتحقيق أهدافهم.
- قدمت الدعاية الصليبية نفسها على أنها المدافعة عن المسيحية في بلاد الشرق بغض النظر عن اختلافاتهم المذهبية، وصورت للناس أنها قد جاءت لنجدة بيزنطة ضد الخطر الإسلامي السلجوقي، كما رسمت أهداف زحفها على أراضي المنطقة الإسلامية على أنه تحرير للمسيحيين الشرقيين من نير السيطرة الإسلامية.. وضمنت من وراء تلك المغالطات، تدفق مساعدات الطوائف الأرمينية والسريانية.. في بدايات سيطرتها على المناطق الإسلامية، ولكن هذه الإستراتيجية المرحلية بدأت تتلاشى مع مرور الزمن [3]، وبروز التحالف مع الحركات الباطنية..
إن هذه الاستراتيجيات التي صبغت تحركات جميع الصليبيين، إلا أنها لم تمنع من استخدام خطط أخرى وبدائل مرحلية خاصة بكل إمارة بحسب ظروفها، مما يعني أن بعض هذه الإمارات ربما اتخذ وتبنى سياسة تخالف هذه المبادئ العامة، ومن استعراض هذه الاستراتيجيات يتبدى لنا أن قياس نجاح القوة الإسلامية في مقاومة هذا الخطر الصليبي ؛ يكمن في مدى تبنيها لاستراتيجيات قادرة، وخطط مضادة ومكافئة، لديها القدرة على صد ومواجهة مخاطر التمدد الصليبي، أو منع الطرف الصليبي من تطبيق استراتيجياته على أرض الواقع، وهذا يمكن أن نلمحه من خلال تطورات ردود الفعل الإسلامية على التحدي الصليبي، بدءاً من عهد عماد الدين ونور الدين زنكي، ووصولاً إلى مرحلة صلاح الدين الأيوبي.. واستكمالاً لما تم في عهد الدولة المملوكية، على أن لا يُفهم من ذلك أن هذا التطور في رد الفعل الإسلامي في العهد الزنكي والأيوبي والمملوكي، كان دائماً في الإطار الإيجابي بل ما حصل أحيانا هو أن الطرف الإسلامي أو بعض قواه أو أفراده، ساعد في نجاح الاستراتيجيات الصليبية [4]..!!

ثانياً: حركة المقاومة في العهد السلجوقي:
أيقظت صدمة سقوط القدس غفوة العديد من الفقهاء والقضاة والأمراء، وأدركوا حقيقة ذلك الغزو بعد أن هدد وجودهم ومكانتهم في مدن تلك البلاد، ولذلك بادر فقهاء وقضاة الشام من دمشق وحلب وطرابلس للاستنجاد بالسلطة المركزية ببغداد والإمارات المحلية، باعتبارها صاحبة القوة العسكرية القادرة على مواجهة ذلك الغزو [5]، ولم تكن الاستجابة من قبِل الفقهاء والقضاة في بلاد الشام ضد الغزو الصليبي مقتصرة على الاستغاثة وطلب النجدة، بل تعدت إلى العديد من الوسائل الأخرى التي من بينها الكتابة والتأليف في الجهاد ضد الغزو ؛ لتهيئة الأجواء الفكرية، وتثقيف المسلمين عامة، حيث نالت اهتماماً كبيراً من جملة الفقهاء والعلماء قبل وأثناء الغزو الصليبي، فقد كانت حاجة العصر للتعبئة الفكرية، ونشر الثقافة الإسلامية، أصبحت من الأمور الأساسية آنذاك في وقت كانت بلاد الشام تخوض صراعاً سياسياً ومذهبياً وعسكرياً؛ انعكس على تدوين التاريخ في الشرق الإسلامي، وظهور العديد من المصنفات والتراجم حول سير السلاطين والملوك والأسر الحاكمة وأحداث القتال والصراع ضد الصليبيين، ولذلك اندفعت فئة الفقهاء والقضاة إلى تنوير المجتمع، الذي جاء مجسداً عبر مؤلفاتهم وكتبهم خلال مجموعتين:
الأولى ركزت على التأليف والوعظ بصورة تقليدية، وتوضيح أمور وأركان الدين الحنيف للناس ؛ لأنها أدركت الضعف العام في إيمان المسلمين، وتركهم لأمور دينهم.. لذلك كتبت الكثير من المصنفات قبل وأثناء الغزو الصليبي..
والثانية: توجهت للتحريض والتأليف في الجهاد، وحث المسلمين عليه.. والذي يهمنا هنا مؤلفات الفقهاء التي حرضت على الجهاد الإسلامي، وتبنت تعبئة المسلمين للوقوف في وجه ذلك الغزو [6] ومن أبرز أولئك الفقهاء:
الفقيه على بن طاهر السلمي [431 - 500ه /1039 - 1106م]:
هو على بن طاهر بن جعفر القيسي السلمي الدمشقي الشافعي، كان من علماء بلاد الشام وعلى إثر مجيء ذلك الغزو تحول إلى واعظ ومحرض على الجهاد، بإلقائه الخطب والدروس في المساجد التي تنقل فيها عبر مدن بلاد الشام وفلسطين، حيث جسد ذلك في كتابه الجهاد، الذي جاء عقب سقوط بيت المقدس عام 492ه / 1098م..

لقد ركز السلمي في أبواب كتابه الذي يقع في اثنين وثلاثين باباً، على العديد من القضايا والأفكار الهامة التي كانت عليها بلاد الشام والعالم الإسلامي آنذاك ؛ وهو أول من نبه إلى وحدة أهداف الحروب الصليبية سواء في الأندلس، أو صقلية أو في بلاد الشام، وقد كانت تلك القراءة المستوعبة للمشهد هي التي تلقفها المؤرخون فيما بعد وطوروها وبنوا عليها، حيث ذكر ابن الأثير أن [ابتداء دولة الإفرنج واشتداد أمرهم وخروجهم إلى بلاد الإسلام، واستيلائهم على بعضها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فملكوا مدينة طليطلة، وغيرها من بلاد الأندلس.. ثم قعدوا سنة أربع وثمانين وأربعمائة جزيرة صقلية وملكوها.. فلما كانت سنة تسعين وأربعمائة خرجوا إلى بلاد الشام] [7]..

لقد أدرك السلمي يومها أن ضعف العالم الإسلامي، وتشرذمه وتجزئته هو العامل الرئيسي وراء نجاح الغزو الصليبي في المشرق والمغرب الإسلاميين وليس قوة الصليبيين أنفسهم، وركز على التجزئة السياسية لبلاد الشام بصورة خاصة، لأنه عاش وأحس بالمعانات هناك، وأشار إلى ظاهرة تثاقل السـكان عن جهادهم [8]، وذكر المسلمين بضرورة إحياء فكرة استمرارية الجهاد سواء في الحرب أو السلم ؛ كجزء من سياسة عامة يجب على الأمراء والخلفاء المسلمين القيام بها كشرط أساسي للمواجهة الناجحة، ففي كل عام يجب على الأمير المسلم القيام بحملة خارج ديار الإسلام لا لطمع أو لغنيمة يبتغيها، وإنما للمحافظة على حمى دار الإسلام من عدوان غير المسلمين، وإشعارهم بالرهبة وقوة المسلمين بالاستمرار، تجسيداً للرأي القائل في العصر الحاضر بضرورة نقل المعارك إلى أرض العدو دوماً [9]، وذكر السلمي الأمراء المسلمين بأن ذلك الغزو لم يكن هدفه الأرض والعقيدة فقط، وإنما هدفه هو إزالتهم من سلطاتهم، وإخراجهم من البلاد التي تحت أيديهم، وذلك بهدف إثارة حميتهم وحثهم على الجهاد [10]، وطلب من عامة الناس مساندة أمرائهم وقادتهم المجاهدين الذين يتبعون السلف الصالح لمواجهة تلك المحنة، وطرد الصليبيين [11]..
إن القارئ لكتاب السلمي في الجهاد، يدرك عمق المعاناة التي كان يعانيها السلمي وهو الفقيه الذي يرى بيت المقدس تنتهك حرمته وتداس قدسيته، ولذلك كان أول ما حث عليه هو تخليص بيت المقدس من أيدي أولئك الغزاة [12]..
وعلى هذا الأساس، يعتبر السلمي أول من أدرك ضرورة الوحدة الجهادية بين بلاد الشام والعراق، ومدن آسيا الصغرى، قبل عصر الوحدة الإسلامية ضد الصليبيين بقيادة آل زنكي والأيوبيين [13]، ويعتبر في هذا المجال من الرّواد، وقد دعا المسلمين إلى تطهير النفوس وإصلاحها، فهي الأساس في أي وحدة إسلامية جادة، لعقد العزم والإصرار على مجاهدة ذلك الغزو [وقدموا جهاد أنفسكم على جهاد أعدائكم فإن النفوس أعدى لكم منهم، واردعوها عما هي عليه من عصيان خالقها سبحانه تظفرون بما تؤملونه من النصرة عليهم] [14]..
إن الغزو الصليبي لبلاد الشام من وجهة نظر الإمام السلمي لم يأت من فراغ، وإنما كان لعدم تمسك المسلمين بدين الله الحنيف، ولذلك اجتهد في نصحهم بالعودة إلى الله وتطهير النفوس ؛ بالرجوع إلى كتاب الله، والإقلاع عما تقدم منهم، والنهوض إلى قرع باب الجهاد [وليكن قصدكم بجهادكم هذا إرضاء ربكم، والذب عن أنفسكم، وعن غيركم من إخوانكم ليمحص لكم ثواب غزوكم] [15]، [ولا يكون ذلك أمام تقدم الغزو الصليبي، وأخده لمدن عديدة إلا بالمبادرة إليهم، والمرابطة على المدن التي لم تحصل في أيديهم] [16]، [فإن النفير إليهم وقصدهم في البلاد التي قد تملكوها علينا إنما هو حرب يقصد بها الدفاع عن النفوس، والأولاد والأهل والأموال والحراسة لما بقي في أيدينا من البلاد] [17]..
لقد كانت دعوة السلمي عامة لوحدة القوى الإسلامية [شاميها وجزريها ومصريها]، ونصحهم بإتباع منهاجه في تطهير النفوس، والتعافي فيما بينهم، والإقدام على الجهاد وحتى يحققوا مبتغاهم في النيل من ذلك الغزو [18]، حيث يقول [إن لم يتناسى الحكام المسلمون أحقادهم وخلافاتهم، فإنهم ما زالوا على جاهلية غير مقتدين بالمثل النابع من التراث عند الشدائد تذهب الأحقاد] [19]..
لقد استمر السلمي في مواضع عديدة من كتاب الجهاد الذي صنفه، يحث ويحرض ويعظ وينبه، ويعلم الحكام والعامة على ضرورة الجهاد بخطبه ودروسه التي ألقاها في الجامع الأموي بدمشق، وفي مدن بلاد الشام وفلسطين [21]، ولم يترك شاردة ولا واردة في الجهاد إلا وتطرق إليها [20]، ونلاحظ أن السلمي في كتابه الجهاد تطرق إلى مظاهر التشرذم في المشرق الإسلامي، وخاصة في بلاد الشام، وأثر كل ذلك في ضعف القوى الإسلامية، وتفككها مع ضعف الإيمان بفرض الجهاد، وهي نقطه استغلها الغزاة، ولكنه عالج ذلك الخلل بطرحه لقضية تطهير النفوس والعودة إلى التمسك بدين الله الحنيف ؛ وإصلاح الأمر فيما بينهم، والإقدام على الجهاد لمواجهة ذلك الغزو، وأنه لا يتم ذلك إلا بوحدة القوى الإسلامية، لذا قد جاء كتابه الجهاد عاماً، لم يخصصه لسلطة سياسية معينة أو لفئة معينة من مسلمي بلاد الشام.. لقد كانت رؤيته مبنية على استناد متين على القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكتب السير والمغازي، والتفاسير وربط موضوعاتها بالخطر الصليبي على بلاد الشام، وهذا دليل على مدى إطلاعه وفكره الثاقب في جمع المعلومات وتسخيرها في أغراض التصحيح والنهوض [22]، ونلاحظ من خلال البحث بأن الدعوة الأولى للجهاد لم تصدر عن مجالس الحكام بل صدرت من محافل الفقهاء والعلماء المسلمين من أساتذة وعلماء وفقهاء وكّتاب، ويعتبر الإمام السلمي من أوائل من حث وحرض على الجهاد، ومن ضمن تيار الرفض الإسلامي العام المدعوم من قِبل الفقهاء والقضاة [23]، لقد كتب السلمي كتابه في فترة مبكرة من تلك الحروب وهذا دليل على ذكائه وفطنته في إدراكه وإحاطته بمشاكل بلاد الشام المعقدة، وإن لم تتوفر الظروف العامة لإنجاح دعوته للجهاد في تلك الفترة المبكرة ذاتها، إلا أنه وبلا أدنى شك قد ساهم بكتابه وجهده المبرور في التمهيد والتوطئة لمرحلة الزنكيين والأيوبيين..
لقد قام الأستاذ رمضان حسين الشاوش بدراسة وتحقيق، كتاب الجهاد للسلمي، وقدمه كرسالة ماجستير بجامعة الفاتح بطرابلس الغرب عام 1992م [24]..
يتبع بمشيئة الله تعالى..
ــــــــ
(1) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك ص 27.
(2) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك ص 28.
(3) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك ص 31.
(4) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك ص 31.
(5) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو ص 68.
(6) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي ص 93.
(7) الكامل في التاريخ (8/397).
(Cool موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي ص 94.
(9) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي ص 95.
(10) المصدر نفسه ص 95.
(11) المصدر نفسه ص 96.
(12) المصدر نفسه ص 96.
(13) المصدر نفسه ص 97.
(14) المصدر نفسه ص 98.
(15) المصدر نفسه ص 98.
(16) موقف فقهاء الشام وفضاتها من الغزو الصليبي ص 98.
(17) المصدر نفسه ص 98.
(18) المصدر نفسه ص 98.
(19) المصدر نفسه ص 98.
(20) المصدر نفسه ص 98.
(21) المصدر نفسه ص 98.
(22) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي ص 99.
(23) المصدر نفسه ص 93.
(24) المصدر نفسه ص 93.
ـــــــــ
المصدر : إسلام أون لاين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://fdrp.forumactif.com
 
الإسلام والغرب.. صراع المشاريع الحلقة السادسة:
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
بوابة القانون الجزائي :: المنتدى الإسلامي :: شؤون الدعوة-
انتقل الى: